الفاتحة
ثمّة أعدادٌ تُعَدُّ بها الأشياء، وأعدادٌ تنكشف بها الحقيقة.
يَعُدُّ المرءُ لأنّ أمامه أعيانًا: حجرٌ واحد، حجران، سبعة أفرع، ثمانية أيّام. غير أنّ التوراة تَعُدُّ أحيانًا على نحوٍ آخر. فيغدو العددُ معمارًا. وهو لا يخبرنا كم شيئًا يقوم أمامنا فحسب، بل في أيّ عالمٍ دخلنا.
سبعةٌ عددٌ من هذا القبيل.
وثمانيةٌ عددٌ آخر.
سبعةٌ مكتوبةٌ في الخليقة كتابةً عميقةً حتّى إنّ المرء يكاد يخلطها بالوجود ذاته. ستّة أيّامٍ تنبسط، والسابع يجمعها إلى السبت. سبع سنينَ تُتِمّ دورة الشميطاه. وسبعُ شميطوتٍ تُفضي إلى اليوفيل. وسبعُ ميدوتٍ سفلى تؤلّف النظام الوجدانيّ للسفيروت. وسبعةُ أفرعٍ تعلو من المنورة. وسبعةُ أسابيعَ تُعَدُّ بين الفصح والشفوعوت. وسوكوت يمضي في سبعة أيّام. تحيا الدنيا في السبعة لأنّ السبعة تصف النظام المكتمل لخليقةٍ قادرةٍ على تلقّي القداسة دون أن تكفّ عن كونها خليقة.
سبعةٌ ليست ناقصة.
سبعةٌ فخمة.
سبعةٌ هي الدنيا وقد بُلِّغت كمالها على قدر مقدارها.
وهناك بالضبط تبدأ المسألة.
ما الذي يأتي بعد الكمال؟
ليس تحسينًا.
إذا كان الشيء تامًّا، فإنّ إضافة وحدةٍ أخرى من جنسه لا تكشف ماهيّةً جديدة. إنّها تزيد الكمّ ولا تعبر حدًّا.
لذلك تُدخل التوراة الثمانية في اللحظات التي يتبدّل فيها الحدُّ نفسه.
يدخل الطفل في عهد أبراهام في اليوم الثامن.
ويبلغ المشكان بدايته الكاشفة في اليوم الثامن.
وبعد سبعة أيّام من سوكوت يأتي شميني عتسيرت.
والقيثارةُ المقترنة بأيّام المشيح يصفها حزال بأنّ لها ثمانية أوتار.
والمشيحُ نفسه يظهر بين «שמונה נסיכי אדם»، أمراء الإنسان الثمانية.
تعود الثمانية مرّةً بعد مرّةٍ حيث ينفتح الاكتمال على ما لم يكن الاكتمال قادرًا أن يولّده من ذاته.
لسانُ الحسيدوت يقول: למעלה מן הטבע، أي فوق النظام الطبيعيّ.
غير أنّ هذا ينبغي أن يُفهم بتحفّظ.
ليس معنى الثمانية أنّ التوراة قد ملّت الدنيا أخيرًا.
وليس معناها أنّ المتناهي قد أخفق.
وليست الثمانية قداسةً تهجر الطبيعة لأنّ الطبيعة تبيّن قصورها.
السرّ الأعمق هو العكس.
الثامن يكشف أنّ النظام الطبيعيّ قد بُني منذ البدء وعاءً لما يعلو عليه.
سبعةٌ هي البيت.
وثمانيةٌ هي الحضرة التي من أجلها بُني البيت.
سبعةٌ تبني الوعاء.
وثمانيةٌ تُفصح عمّا كان الوعاء يحمله سرًّا.
سبعةٌ تُتِمّ الخليقة وفق نحوها الظاهر.
وثمانيةٌ تكشف القصد الذي سبق النحو.
وهنا تبدأ مسألة الجيل الثامن.
لا بوصفها أوّلًا تسلسلًا زمنيًّا.
بل بوصفها توراة.
لا بوصفها أوّلًا خلافةً.
بل بوصفها بنية.
لا بوصفها أوّلًا دعوى في شأن شخص.
بل بوصفها المنطق الخفيّ لما يلي السبعة.
فإن كان الأدمور هزاكين يفتتح حركةً من سبعة أجيال، وإن كان الجيل السابع يفهم نفسه صراحةً بأنّه الجيل الذي عبادته أن يُتِمّ إنزال الشخينة إلى العالم الأدنى، فإنّ التوراة تجيز لنا أن نسأل سؤالًا ليس بالصغير.
ماذا تعني الثمانية بعد سبعةٍ كهذه؟
وما الذي يمكن أن يلي جيلًا هويّته عينها هي الاكتمال؟
وما الذي يأتي بعد أن أُنزلت الشخينة؟
الجواب المقترح هنا حيدوش، لا دعوى مؤسّسيّة، ولا بديلًا عمّا تُلقّي في تقليد حباد.
السابع يُتِمّ النزول.
والثامن يبدأ التجلّي من داخل الموضع الذي بُلِغ.
السابع يُدخل الشخينة إلى المسكن.
والثامن هو المسكن وهو يكتشف مَن كان ساكنًا فيه طوال الوقت.
ولهذا فإنّ أعمق أسماء الثامن هو: المشيح.
